القاضي عبد الجبار الهمذاني
541
المغني في أبواب التوحيد والعدل
وفي ذلك تجويز أن لا ينتصف تعالى لبعض المظلومين في الآخرة وأن لا يصح منه الانتصاف لهم لو لم يتفضل . وقد علمنا أن ذلك لا يصح من جهة العقل ؛ لأن ما قدّمناه من الدليل قد أوجب أنه تعالى لا بدّ من أن ينتصف / لجميعهم ، كما دل الدليل على أنه لا بدّ من أن يوفر الأعواض المستحقة عليه على جميعهم . فإن قال إنه قد ثبت أنه تعالى ينتصف للجميع ، فيجب أن يعلم بذلك أنه سيتفضل على من لا عوض له من الظالمين في الدنيا فيوفر ذلك على المظلوم . قيل له : إن ثبت ذلك فبالسمع يثبت . ويجب أن يجوز من جهة العقل ما ذكرناه حتى يجوز في كثير من المظلومين أنه تعالى لا ينتصف لهم من الظالمين . وفي ذلك نقض ما دللنا عليه من وجوب الانتصاف على اللّه لكل مظلوم . ويبين ذلك أنا متى جوّزنا ما ذكرناه ، فيجب أن يجوز من جهة العقل أنه تعالى إنما ينتصف للمظلومين ممن ظلمهم بأن يتفضل على جميعهم ؛ لأنه إن جاز أن يتفضل على من لا عوض له ، فيجب تجويز ذلك فيمن له عوض ، لأن العوض الّذي يستحقه لا يكون أكثر من الثواب . وإذا جاز منه تعالى أن يتفضل على المثاب ، جاز أن يتفضل على المعوض . وهذا يوجب أن الأمر من جهة العقل أن لا ينتصف تعالى لأحد من المظلومين بأن لا يتفضل عليهم بمثل ما يستحقونه على الظالمين ، وعوض الظالم ثابت له . وهذا نقض للقول « 1 » بأن العقل يوجب الانتصاف . وبعد ، فإن صح أن يتفضل تعالى على الظالم بما يوفر به حق المظلوم عليه ، فيجب أن يصح ذلك من غير اللّه تعالى في الآخرة . فيجب بمثله أن لا يصح منه تعالى على طريق التفضل . على أنه سبحانه لو تفضل بذلك ، كان لا يكون ما فعله
--> ( 1 ) في الأصل القول .